الآلوسي
177
تفسير الآلوسي
في إبداع الملك طلباً لمشاهدة الملك في الملك فإذا شاهدوا قالوا * ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً ) * بل هو مرايا لأسمائك ومظاهر لصفاتك ، ويفصح بالمقصود قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل * ( سبحانك ) * أي تنزيهاً لك من أن يكون في الوجود سواك * ( فقنا عذاب النار ) * ( آل عمران : 191 ) وهي نار الاحتجاب بالأكوان عن رؤية المكون * ( ربنا إنك من تدخل النار ) * وتحجبه عن الرؤية * ( فقد أخزيته ) * وأذللته بالبعد عنك * ( وما للظالمين ) * الذين أشركوا ما لا وجود له في العير ولا النفير * ( من أنصار ) * ( آل عمران : 192 ) لاستيلاء التجلي القهري عليهم * ( ربنا إننا سمعنا ) * بأسماع قلوبنا * ( منادياً ) * من أسرارنا التي هي شاطىء وادي الروح الأيمن * ( ينادي للإيمان ) * العياني * ( أن آمنوا بركم فآمنا ) * أي شاهدوا ربكم فشاهدنا ، أو ( إننا سمعنا ) في المقام الأول ( منادياً ينادي للإيمان ) والمراد به هو الله تعالى حين خاطب الأرواح في عالم الذر بقوله سبحانه : * ( ألست بربكم ) * ( الأعراف : 172 ) فإن ذلك دعاء لهم إلى الإيمان ( فآمنا ) يعنون قولهم : * ( بلى ) * حين شاهدوه هناك سبحانه * ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ) * أي ذنوب صفاتنا بصفاتك * ( وكفر عنا ) * سيئات أفعالنا برؤية أفعالك * ( وتوفنا ) * عن ذواتنا بالموت الاختياري * ( مع الأبرار ) * ( آل عمران : 193 ) وهم القائمون على حد التفريد والتوحيد * ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على ) * ألسنة * ( رسلك ) * بقولك : * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * ( يونس : 26 ) * ( ولا تخزنا يوم القيامة ) * بأن تحجبنا بنعمتك عنك * ( إنك لا تخلف الميعاد ) * ( آل عمران : 194 ) * ( فاستجاب لهم ربهم ) * لكمال رحمته * ( أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر ) * القلب وعمله مثل الإخلاص واليقين * ( أو أنثى ) * النفس وعملها إذا تركت المجاهدات والطاعات القالبية * ( بعضكم من بعض ) * إذ يجمعكم أصل واحد وهو الروح الإنسانية * ( فالذين هاجروا ) * من غير الله تعالى إلى الله عز وجل * ( وأخرجوا من ديارهم ) * وهي مألوفات أنفسهم * ( وأوذوا في سبيلي ) * بما قاسوا من المنكرين ، وعن بعض العارفين أن القوم إذا لم يذوقوا مرارة إيذاء المنكرين لم يفوزوا بحلاوة كأس القرب من الله تعالى ، ولهذا قال الجنيد قدس سره : جزى الله تعالى إخواننا عنا خيراً ردونا بجفائهم إلى الله تعالى * ( وقاتلوا ) * أنفسهم فيّ وهي أعدى أعدائهم * ( وقتلوا ) * بسيف الفناء * ( لأكفرنّ عنهم سيئاتهم ) * الصغائر والكبائر من بقايا صفاتهم وذواتهم * ( ولأدخلنهم جنات ) * ثلاث وهي جنة الأفعال ، وجنة الصفات ، وجنة الذات * ( تجري من تحتها الأنهار ) * أنهار العلوم والتجليات * ( ثواباً من عند الله ) * الجامع لجميع الصفات * ( والله عنده حسن الثواب ) * ( آل عمران : 195 ) فلا يكون بيد غيره ثواب أصلاً * ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا ) * أي حجبوا عن التوحيد * ( في البلاد ) * ( آل عمران : 196 ) في المقامات الدنيوية والأحوال * ( متاع قليل ) * لسرعة زواله وعدم نفعه * ( ثم مأواهم جهنم ) * الحرمان * ( وبئس المهاد ) * ( آل عمران : 197 ) الذي اختاروه بحسب استعدادهم * ( لكن الذين اتقوا ربهم ) * بأن تجردوا كمال التجرد * ( لهم جنات ) * ثلاث عوض ذلك * ( نزلاً من عند الله ) * معداً لهم * ( وما عند الله ) * من نِعَم المشاهدة ولطائف القربة وحلاوة الوصلة * ( خير للأبرار ) * ( آل عمران : 198 ) * ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ) * ويحقق التوحيد الذاتي * ( وما أنزل إليكم ) * من علم التوحيد والاستقامة * ( وما أنزل إليهم ) * من علم المبدأ والمعاد ونيل الدرجات * ( خاشعين لله ) * للتجلي الذاتي وما تجلى الله تعالى لشيء إلا خضع له * ( لا يشترون بآيات الله ) * تعالى وهي تجليات صفاته * ( ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم ) * وهي تلك الجنات * ( إن الله سريع الحساب ) * ( آل عمران : 199 ) فيوصل إليهم أجرهم بلا إبطاء * ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا ) * عن المعاصي * ( وصابروا ) * على الطاعات * ( ورابطوا ) * الأرواح بالمشاهدة * ( واتقوا الله ) * من مشاهدة الأغيار * ( لعلكم تفلحون ) * ( آل عمران : 200 ) بالتجرد عن همومكم وخطراتكم ، أو ( اصبروا ) في مقام النفس بالمجاهدة ( وصابروا ) في مقام القلب مع التجليات ( ورابطوا )